محمود بن حمزة الكرماني
107
البرهان في متشابه القرآن
* قوله تعالى : اهْبِطُوا مِنْها كرّر الأمر بالهبوط « 1 » لأن الأول من الجنّة والثاني من السماء « 2 » .
--> فعلى هذا الوجه قوله تعالى في سورة الأعراف : وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا بالفاء : الحمل على هذا المعنى في هذه الآية أولى ؛ لأنه عز من قائل ، لما قال لإبليس : اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً : فكأنه قال لآدم : « ادخل أنت وزوجك الجنة » . فقال : اسْكُنْ يعنى : ادخل ساكنا ليوافق الدخول الخروج . ويكون أحد الخطابين لهما قبل الدخول ، والآخر بعده مبالغة في الإعذار وتوكيدا للإنذار . وتحقيقا لقوله عز وجل : وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ] أه . من درة التنزيل ص 5 . وعبارة الإمام السيوطي في الإتقان 1 / 132 ، معترك الأقران : القسم الأول ص 87 : موافقة لعبارة المصنف . * تعقيب : لم يتعرض المصنف لتوجيه إثبات [ من ] في آية الأعراف فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وتجرد آية البقرة منها وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما : وموقع مِنْ حَيْثُ شِئْتُما غير موقع حَيْثُ شِئْتُما والتوجيه : أن [ من ] تحرز وتعطى إباحة الأكل من ثمر كل موضع في الجنة كما لو قلت : [ كل من حيث شئت من مواضع هذا البستان ] . فأفادت [ من ] إباحة كل ما في أماكن الجنة والتوسع والترغد فيه . فلم يحتج المعنى إلى إحرازه بلفظ [ رغدا ] . وإسقاط [ من ] يعطى بأظهر الاحتمالين إباحة الأكل من كل موضع لا من ثمر كل موضع . لا تعطى إباحة الأكل من كل ثمر إلا باحتمال ضعيف . فتعيّن ورود رَغَداً إذ ليس في السياق ما يحرز معناها . ( 1 ) ذكر الأمر بالهبوط في آيتين من سورة البقرة في قصة آدم عليه السلام : الآية الأولى : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ الآية : 36 . والآية الثانية : قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الآية : 38 . ( 2 ) هذا التعليل غير مقبول عند الذين خالفوا الجمهور وقالوا : إن الجنة التي سكنها آدم ليست بجنة الخلد ، يقول سماحة الأستاذ الجليل الشيخ حسنين محمد مخلوف في تفسيره « صفوة البيان » : [ جمهور أهل السنة على أنها جنة المأوى وهي دار الثواب والخلود للمؤمنين في الآخرة . وذهب آخرون منهم أبو مسلم الأصفهاني إلى أنها بستان في الأرض خلقه اللّه امتحانا لآدم وزوجته . وساق أدلة الفريقين الإمام ابن القيم ولم يرجح شيئا منها . والأحوط والأسلم الكف عن تعيينها وعن القطع به ، وإليه مال أبو حنيفة وأبو منصور الماتريدي في التأويلات ] . صفوة البيان لمعاني القرآن ط 10 ص 24 ، 25 . وفي التفسير الوسيط الصادر تحت إشراف مجمع البحوث الإسلامي - ط . ثانية 1 / 79 : [ وقيل هي جنة بأرض فلسطين أو بين فارس وكرمان أو في غيرهما خلقها اللّه امتحانا لآدم عليه السلام . وحمل الإهباط منها على النقل منها إلى أرض أخرى كما في قوله تعالى : اهْبِطُوا مِصْراً لأن خلقه كان في الأرض بلا خلاف . ولم يذكر في القصة رفعه منها إلى السماء حيث جنة الجزاء ولو وقع لكان أولى بالذكر ، ولأنها لو كانت دار الخلود لما دخلها إبليس . ذكره أبو السعود والألوسي ، واللّه أعلم ] . ويمكن القول بأن الهبوط الأول اقترن بذكر العقوبة ، والثاني اقترن ببيان سبيل النجاة باتباع ما ينزل من الهدى الإلهى .